أحمد بن محمد المقري التلمساني
213
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
بدمشق أنه قال له شيخ صالح برباط الخليل عليه السلام : نزل بي مغربي فمرض حتى طال عليّ أمره ، فدعوت اللّه أن يفرج عني وعنه بموت أو صحة ، فرأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، في المنام فقال : أطعمه الكسكسون ، قال : يقوله هكذا بالنون ، فصنعته له ، فكأنما جعلت له فيه الشفاء ، وكان أبو القاسم يقول فيه كذلك ، ويخالف الناس في حذف النون من هذا الاسم ، ويقول : لا أعدل عن لفظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : قلت : ووجه هذا من الطب أنّ هذا الطعام ممّا يعتاده المغاربة ويشتهونه ، على كثرة استعمالهم له ، فربما نبّه منه شهوة أو ردّه إلى عادة . وقال الجدّ رحمه اللّه تعالى : رأيت بجامع الفسطاط من مصر فقيرا عليه قميص إلى جانبه دفاسة « 1 » قائمة وبين يديه قلنسوة ، فذكر لي هنالك أنهما محشوّتان بالبرادة ، وأنّ زنة الدفاسة أربعمائة رطل مصرية ، وهي ثلاثمائة وخمسون مغربية ، وزنة القلنسوة مائتا رطل مصرية ، وهي مائة وخمسة وسبعون مغربية ، فعمدت إلى الدفاسة فأخذتها من طوقها أنا ورجل آخر ، فأملناها بالجهد ، ثم أقمناها ، ولم نصل بها إلى الأرض ، وعدت إلى القلنسوة فأخذتها من إصبع كان في رأسها فلم أطق حملها ، فتركتها ، وكان يوم جمعة ، فلمّا قضيت الصلاة مررنا في جملة من أصحابنا بالفقير ، فوجدناه لابسا تلك الدفاسة في عنقه ، واضعا تلك القلنسوة على رأسه ، فقام إلينا وإلى غيرنا ، ومشى بهما كما يمشي أحدنا بثيابه ، فجعلنا نتعجّب ، ويشهد بعضنا بعضا على ما رأى من ذلك ، ولم يكن بالعظيم الخلقة . وقال رحمه اللّه تعالى : كان الأستاذ ابن حكم قد بعث إليّ بمحرّر لأبعث به إلى من يعرضه للبيع ، ثم بلغه أنّ أحمالا من المتاع التونسي قد وصلت إلى البلد ، فكتب إليّ : الحمد للّه الذي أمر عند كلّ مسجد بأخذ الزينة ، وصلواته الطيبة ، وبركاته الصيّبة ، على من ختم به شريعته وأكمل دينه ، وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه والذين يتبعونه ، وبعد فما تعلق به الإعلام ، أن تعوّضوا المحرر بإحرام ، لا يخفى على مثلكم جنسه ومجانسه ، ومن كلام العرب : كلّ ثوب ولابسه ، وإن أربى « 2 » على ثمن الأول ثمن الثاني ، فلست عن الزيادة ، والحمد للّه بالواني « 3 » . ومن فوائده أنه قال : كتب في صدر رسالة إلى صاحبنا الشيخ الناسك أبي علي منصور ابن شيخ عصره وفريد دهره ناصر الدين المشدّالي الشيخ الخاشع صاحبنا أبو الحسن
--> ( 1 ) لباس مؤلف من بردة سوداء وطيلسان من الكتان الأسود يستعمل في المغرب . ( 2 ) أربى : زاد . ( 3 ) الواني : الفاتر العزم .